عبد الرحمن بدوي يكتب..الذكاء الاصطناعي بين رداء الطبيب وغرفة العمليات: هل يُلغي الإنسانية
الأربعاء 03 جمادى الأولى 1448 هـ - الاربعاء 14 أكتوبر 2026 م 04:16:56 PM
في غمرة التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تشهدها الألفية الثالثة، لم يعد الحديث عن "الذكاء الاصطناعي" مجرد رفاهية علمية أو ضرب من خيال الخصوبة التحريرية، بل أضحى واقعاً يفرض شروطه على أدق تفاصيل حياتنا، وفي مقدمتها المنظومة الطبية والرعاية الصحية.
تُطل علينا الخوارزميات اليوم برداء أبيض؛ تُشخص الأمراض المستعصية بدقة متناهية، وتقرأ صور الأشعة والتحاليل في أجزاء من الثانية، بل وتوجه أذرع الروبوتات داخل غرف العمليات بدقة تفوق أحياناً ثبات يد الجراح البشري.
هذا التطور المذهل يضعنا أمام تساؤل جوهري طالما طرحناه في أروقة الصحافة الطبية: هل أوشكنا على رؤية اليوم الذي يجلس فيه المريض أمام شاشة صماء ليتلقى علاجه، معلناً بذلك انتهاء عصر "الحكيم" البشري؟
إن الإجابة، في تقديري، تكمن في جوهر مهنة الطب نفسها.
فالطب ليس مجرد معادلات رقمية أو قراءة صماء للبيانات، بل هو علم وإنسانية. قد يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحليل ملايين البيانات الطبية في لحظة واحدة، لكنه يفتقر تماماً إلى "اللمسة الإنسانية"؛ يفتقر إلى القدرة على طمأنة مريض يرتجف خوفاً، أو فهم النبرة المبحوحة في صوت أمٍ قلقة على وليدها، وهي تفاصيل لا تقرأها الخوارزميات ولا تستوعبها لغة الأرقام.
لقد تابعنا من خلال منبرنا في «جريدة الطبيب» وعلى مدار عقود، كيف يصنع الإبداع الطبي البشري الفارق؛ رأينا كيف تتمازج الخبرة الإنسانية والزمالات الدولية لكبار بروفيسورات الجراحة لإنقاذ حياة المرضى في اللحظات الحرجة التي تتداخل فيها المعطيات. هنا، يتجلى الذكاء الاصطناعي كـ "مساعد فائق الذكاء" يُخفف العبء التحريري والإداري عن الطبيب، ويمنحه الوقت للتركيز على الجانب الأهم: المريض كإنسان.
إننا لا نقف في وجه هذا المد التكنولوجي، بل نرحب به كأداة ثورية لإنقاذ البشرية. لكن الخوف الحقيقي ليس من أن "يفكر" الكمبيوتر كالإنسان، بل الخوف من أن "يشعر" الطبيب كالعقل الإلكتروني، فيتحول الطب من رسالة رحمة إلى مجرد صفقة بيانات جافة. سيبقى رداء الطبيب البشري، بقلبه وعقله ولمسته، الحصن الأخير للإنسانية في عصر الآلة.
بقلم: عبد الرحمن بدوي
رئيس التحرير
بقلم: عبد الرحمن بدوي